أخبار العالم

أربيل.. مقصد السوريين للإقامة واللقاء بعيدا عن الوطن


في الصالة الرئيسية الفسيحة من المبنى الجديد لمديرية إقامة أربيل، تنتظر المسنة السورية ابتهال دورها، لتمم بعض الإجراءات الروتينية البسيطة، لتحصل على بطاقة “إقامة الأجانب” في مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، وتاليا ملاقاة خمسة من أبناءها المغتربين، الموزعين في مختلف دول المنطقة والعالم.

وتشبه حالة ابتهال الآلاف من نظرائها السوريين، الذين يتوافدون على مديرية إقامة أربيل، للحصول على الإقامة في الإقليم، وتاليا ملاقاة ذويهم بشكل دوري فيما بعد، الأمر الذي يكونون محرومين منه في أية منطقة أو دولة أخرى.

وتقول ابتهال في حديث مع موقع “سكاي نيوز عربية”: “لأكثر من سبعة سنوات كاملة، حينما لجأ ونزح أبنائي الخمسة من سوريا بسبب الحرب، ونحن نفشل في ملاقاة بعضنا البعض في أية بقعة من العالم. فأنا أحمل وثائق سفر سورية، وهي تقريبا لا تخولني السفر لأية دولة في العالم، أما أبنائي المقيمين في دول الخليج والقارة الأوروبية، فإنهم فشلوا كل مرة في الحصول على سمة الدخول إلى أي دولة من دول المنطقة، باستثناء إقليم كردستان العراق، الذي يمنح تلك سمات الدخول للسوريين بإجراءات بسيطة”.

 

 

وكانت وزارة الداخلية في إقليم كردستان العراق قد أعلنت إلغاء شرط “الفيزا المسبقة” لدخول السوريين الحاملين لإقامات الدول الأوربية إلى أراضي الإقليم، حيث يستطيعون الحصول على فيزا الدخول من مطار أربيل الدولي، مقابل بدل مالي مقداره ثمانين دولارا.

كذلك فإن السوريين القادمين من سوريا ودول أخرى يحصلون على سمة الدخول بعد أيام قليلة من تقديم الطلب لممثليات الإقليم في الخارج، أو عن طريق مكاتب تيسير هكذا نوع من المعاملات، التي تنهي الإجراءات خلال ثلاثة أيام كحد أقصى.

وتسمح تلك السمات للحاصل عليها بالإقامة لمدة شهر، ويمكن تمديدها لشهر آخر من خلال تقديم طلب لوزارة الداخلية، أو إحدى فروعها.

إجراءات بسيطة

وتتميز إجراءات الحصول على إقامة سنوية بالنسبة للسوريين بأنها بسيطة للغاية، فهي تتطلب كفالة شخصية أو اعتبارية من مكان العمل، إلى جانب فحص طبي.

وتُكلف جميع الإجراءات مبلغا يقدر بحوالي 150 دولارا أميركيا، ليحصل على إقامة لمدة سنة كاملة، تجدد بشكل روتيني.

أمر شبيه بذلك يجري بحق الداخلين السوريين إلى إقليم كردستان دون سمة دخول رسمية، من النازحين الذين تجاوزوا الحدود خلال سنوات الحرب السورية.

وطورت مديرية إقامة أربيل من آليات عملها خلال الشهور الأخيرة، فقد انتقلت إلى مبنى جديد أكبر حجما من سابقه، بسبب التزايد الضخم لأعداد طالبي الإقامة بشكل يومي.

وانتقلت المديرية أيضا لأسلوب الخدمة الإلكترونية، بحيث يمكن لطالب الإقامة من السوريين أن ينهي أغلب معاملاته دون أن يطر لمغادرة منزله.

وتطبق المديرية نظام النافذة الواحدة، بأسلوب يمكّن الطالب من إنهاء معاملته دون أية عوائق بيروقراطية، هذا إلى جانب منح المنظمات الإنسانية والمؤسسات الإعلامية الناشطة في مجال الخدمة العامة، معاملة خاصة لإنهاء أوراقهم بأسرع وقت.

نصف مليون سوري

وتقول التقديرات الرسمية بأن تعداد السوريين المقيمين في إقليم كردستان العراق، يقدّر بحوالي نصف مليون شخص، يتوزعون على لاجئين سياسيين ونازحين من ظروف الحرب.

وحينما يتمكنون من الحصول على الإقامة النظامية، فإنهم يصبحون متمتعين بمعظم الحقوق العامة لمواطني الإقليم، عدا بعض النشاطات السياسية الخاصة.

فالمقيمون السوريون في إقليم كردستان العراق، يستطيعون إنشاء شركات تجارية وصناعية، إلى جانب العمل في مجالات الطبابة والتعليم والسياحة وتأسيس الجمعيات والمبادرات المدنية، كما أنهم يحصلون على كامل طيف الخدمات العمومية التي يتمتع بها مواطنو الإقليم، من تعليم وصحة عامة وحماية أمنية واجتماعية وقانونية.

 

وتوضيحا لهذا الوضع الخاص الذي يتمتع به السوريون في إقليم كردستان العراق، يشرح الباحث كسرى حاج يوسف في حديث مع موقع “سكاي نيوز عربية”: “ثمة شقان لتفسير هذه الظاهرة، فالثقافة العامة لمواطني الإقليم تتمتع بروح الاستيعاب، فالأكراد العراقيون الذين تمكنوا من تجاوز محنة الإلغاء السياسي والمجازر الجماعية الرهيبة التي طالتهم لعقود كثيرة، يعرفون جيدا قيمة التعايش وأهمية مؤازرة المغبونين من مختلف سكان المنطقة، والسوريون هم أكثر من يشغل تلك المساحة راهنا”.

وأضاف حاج يوسف: “نوعية السلطة الحاكمة لإقليم كردستان توفر فرصة كبيرة للفصل بين الآراء السياسية والحقوق المدنية والقانونية لأي راغب بالإقامة في الإقليم. فالمقيمون السوريون يتوزعون على كامل طيف الاستقطاب السياسي والطائفي والعرقي السوري، لكنهم في إقليم كردستان يتمتعون بتعايش يوفره القانون العام، ولا تضع السلطات في الإقليم أية قيود لأسباب سياسية، باستثناء محاولة أية جهة كانت الإخلال بالأمن العام للإقليم أو للمقيمين فيه، وهو أمر تبدو جميع أطياف المجتمع السوري من المقيمين في الإقليم قد استوعبته تماما، إذ لم يشهد الإقليم أية حالة قط من تحول الخلافات السياسية الحادة بين المواطنين السوريين في الإقليم إلى شكل من تعكير التعايش والسلام الاجتماعي فيما بينهم”.

 

ويبدو الحضور السوري واضحا في المحال والفضاء العام في مدينة أربيل، إذ يمكن ملاحظة الكثير من المطاعم والمحال التجارية والمقاهي سورية التسمية والحضور والأجواء، كذلك فإن كميات ضخمة من البضائع الغذائية والصناعية السورية تدخل المدينة، هذا إلى جانب مبادرات ثقافية وفنية واجتماعية متعددة تقدمها وتعمل عليها الجالية السورية في المدينة، المتداخلة أكثر من غيرها مع المجتمع المحلي، بسبب القرب الجغرافي والوحدة اللغوية والثقافية بين أكراد سوريا ونظرائهم العراقيين.

كل ذلك، إلى جانب بساطة الإجراءات التي تمنحها السلطات في الإقليم لزيارة وإقامة السوريين، يحول المدينة إلى “وطن بديل” للسوريين المشتتين في مختلف مناطق العالم، خلال محنتهم التي مضى عليها أكثر من عقد.



الوسوم

Spy_Net

المؤسس والمدير التنفيذي لشركة هاي فور بيست

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: