أخبار العالم

حديث “الفيدرالية” يعود إلى السطح في لبنان.. فهل تنجح؟


فمنذ احتجاجات “17 تشرين” (أكتوبر)، وهي الانتفاضة الشعبية التي اشتعلت قبل عام ونصف وأدت خلال أيام معدودة إلى إسقاط الحكومة، توسع الحديث في العديد من الشرائح عن الخلافات الجوهرية التي تقسم اللبنانيين عاموديا، وتجعل من الحياة الوطنية مسألة شديدة التقلب، خصوصا أن النظام الطائفي اللبناني يحول دون نشوء مواطنية لبنانية من خارج القيود الطائفية، بالتالي فإن الانقسام السياسي، يتجلى أيضا من خلال الانقسام الطائفي، وحتى المناطقي.

أكثر من ذلك، فإن خروج الجيش السوري من لبنان في أبريل 2005، الذي كان محطة تاريخية لكن خاطفة، عززت في مواجهة الوصاية السورية آنذاك وفي ظل صدمة اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، مشاعر وطنية عابرة للطوائف.

مثلت تلك المشاعر يومها فسحة أمل في إمكانية نشوء “مواطنية لبنانية” عابرة للقيود والانقسامات الطائفية، تتحلق حول عناوين وطنية كالسيادة والحرية والاستقلال ومنطق الدولة فوق “الدويلات الطائفية” المقنعة التي عاش لبنان في كنفها منذ الحرب الاهلية بين عامي 1975 و1990.

فهل تمثل عودة الحديث عن أن “الفيدرالية هي الحل” لمشاكل لبنان، الذي لم يخرج يوما من أزماته المتلاحقة منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، قاسما مشتركا بين اللبنانيين؟ وهل الفيدرالية في بلد مثل لبنان حل واقعي؟

شعار من مرحلة الحرب الأهلية

يعود الحديث عن الفيدرالية في لبنان إلى مرحلة الحرب الأهلية، حين كانت الانقسامات في البداية بين المقاومة الفلسطينية المدعومة بقوى حزبية يسارية وإسلامية لبنانية، وأحزاب مسيحية كانت ترفض ما كانت تعتبره “هيمنة الفلسطينيين على لبنان، وترى أن الفريق الآخر غير متمسك بالكيان اللبناني، وأن المسلمين، على عكس المسيحيين ينظرون دائما إلى خارج الحدود، أي إلى الفضاء العربي، ويحلمون بـ”الوحدة العربية” على حساب الكيانية اللبنانية المبنية أساسا على نهائية لبنان كوطن.

في تلك المرحلة، تعالت أصوات عديدة بين النخب المسيحية المستقلة أو الحزبية، لتطرح فكرة الفيدرالية في لبنان. وذهب البعض إلى طرح التقسيم كحل لوقف الحرب الأهلية على قاعدة أن يعيش المسيحيون في مناطقهم، والمسلمون في مناطقهم، على أن يتم تنظيم القضايا والمصالح المشتركة في إطار فدرالي.

ومع تنامي الطرح في الأوساط المسيحية، التي كانت ترى قبل خروجهم من لبنان سنة 1982 أنه يستحيل التخلص من سيطرة المقاومة الفلسطينية، ونفوذها بين المسلمين اللبنانيين، ارتفعت أصوات في المقابل الإسلامي واليساري تنادي بمقاومة التقسيم والانعزال، على اعتبار أن الطرح كان يدعو إلى قيام دويلات طائفية عنصرية تخدم المشروع الإسرائيلي.

كان الانقسام حول طرح الفيدرالية، وبعضهم أسماه “التقسيم”، جزءا من المعركة التي دارت على أرض لبنان لـ17 عاما، ومعها تبدلت الأطراف المتحاربة فيما بينها أكثر من مرة، وتبدلت التحالفات مرات عدة.

فحتى عندما دخل الجيش السوري لبنان رسميا في يونيو 1976 بغطاء عربي، ناله الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد من خلال قمة عربية عقدت في الرياض، كان أحد شعارات التدخل السوري في لبنان، إلى جانب شعار “وقف الحرب”، هو “منع التقسيم” الذي كانت “البروباغاندا” السورية تعتبر أنه يولد “كانتونات” وأحد هذه الكانتونات يكون مسيحيا متحالفا مع إسرائيل.

وهذا ما لم يكن في استطاعة سوريا أن تقبل به!، وظل شعار “الفيدرالية” بين مد جزر، خصوصا أن الحروب المتتالية على أرض لبنان في الثمانينيات، خلقت معازل ميليشاوية طائفية صارت مع الوقت أشبه بدويلات لها جيوشها وعلاقاتها الخارجية ومرافقها العامة (جباية، ومطار، وموانىء بحرية، ومعابر شبه رسمية).

بالإضافة إلى ذلك، كان لديها خطوط تماسها العسكرية التقليدية، واقتصاداتها التي نشأت على تخوم الاقتصاد الرسمي، فاستفادت مما تبقى من خيرات الدولة المركزية التي كانت تترنح، لتمول بيئة انفصالية سياسيا وعسكريا.

فأضحت الدولة المركزية نقطة الاصطدام الدائم بين الدويلات التي سيطرت عليها الميليشيات الطائفية اللبنانية، بعضها كان تحت الوصاية السورية آنذاك.

في تلك المرحلة كانت أصوات المنادين بالفيدرالية عالية، والأهم أن المفهوم ترسخ بالأفعال، من خلال “كانتونات” الأمر الواقع التي نشأت فيما بعد.

ومع انتهاء الحرب سنة 1990، وقع لبنان باسره تحت الوصاية السورية التي شكلت نقطة تقاطع عربي – أميركي في أعقاب حرب الكويت الأولى، خفتت الأصوات المنادية بالفيدرالية، ثم صار شعار المرحلة هو “إعادة الإعمار” الذي حمله داخليا الرئيس رفيق الحريري محمولا بدعم عربي ودولي، بالتفاهم مع السوريين.

وبقي الحال على هذا المنوال حتى عام 2005، بعد اغتيال الحريري وخروج السوريين، وحلول “حزب الله” مكانهم في محاولة للسيطرة على القرار في البلد.

 “حزب الله” وإحياء فكرة الفدرالية

قبل عام 2000، اقتصر دور “حزب الله” ومجال تحركه على عمليات المقاومة ضد إسرائيل، وكان وجود السوريين وسيطرتهم على البلاد، يبقي دور الحزب ونفوذه ضمن ضوابط شديدة الإحكام.

ومع الانسحاب الإسرائيلي في 25 مايو 2000، ظن الكثيرون في لبنان أن حقبة جديدة ستبدأ وأن أحد عناوينها الأساسية سيكون إنهاء كل سلاح من خارج الشرعية اللبنانية.

في الأيام القليلة التي تلت الانسحاب الإسرائيلي، عمدت الدولة اللبنانية، لا سيما القوى وثيقة الارتباط بسوريا آنذاك، إلى خلق “قضية” جديدة لتبرير الإبقاء على سلاح “حزب الله”.

فقد رفض لبنان الرسمي بدفع من السوريين اعتبار انسحاب إسرائيل من الجنوب المحتل، بمثابة تحرير لكامل الأراضي اللبنانية. فأثيرت قضية مزارع شبعا وتلال كفر شوبا، للقول إن التحرير “لم يكتمل”، وأن على “حزب الله” أن يكمل “مقاومته” المسلحة لحين تحرير كامل التراب اللبناني.

في تلك الأثناء كانت قوى سياسية لبنانية مستقلة تطالب بأن تقوم سوريا بالاعتراف بمزارع شبعا على أنها لبنانية، لكي يتمكن لبنان من استخدام هذ الورقة في الأمم المتحدة.

هذا لم يحصل، فبقي الموقف الإسرائيلي على حاله من اعتبار مزارع شبعا سورية غير خاضعة للقرار الأممي 425 المتعلق بلبنان. وبقي سلاح “حزب الله” على حاله، لا بل إن جهوزيته العسكرية تنامت مع مرور الوقت.

بعد 2005، ونشوء مناخ استقلالي عابر للطوائف، وداع لإعادة بناء الدولة وترسيخ مفهومها كمرجعية لجميع اللبنانيين، أدى الصراع   بين ما كان يسمى بـ”قوى 14 آذار” المعارضة للسوريين، وقوى “8 آذار” المتحالفة معهم ومع إيران، على “المحكمة الخاصة بلبنان” الناظرة بجريمة اغتيال الحريري، إلى تفاقم الأزمات في لبنان.

لا سيما مع استمرار الاغتيالات السياسية التي استهدفت حصرا قيادات من “قوى 14 آذار”، ومن ثم تورط “حزب الله” في 12 يوليو 2006، في حرب مع إسرائيل دامت 33 يوما، التي أدت إلى سقوط أكثر من 1300 قتيل وتدمير قسم كبير من البنى التحتية اللبنانية.

منذ ذلك الوقت، ارتفعت أصوات عارضت سلاح “حزب الله”، واعتبرت أنه يتناقض مع فكرة الدولة التي يريدها معظم اللبنانيين. وقد ارتفعت حدة المعارضة لسلاح الحزب المشار إليه إثر قيامه في 7 مايو 2008 وأحزاب مسلحة حليفة، باجتياح العاصمة بيروت، وبذلك بدأ في بسط نفوذه على الساحة اللبنانية بواسطة ما سمي “فائض القوة” الذي يتمتع به.

الأزمة الاقتصادية تصب في “طاحونة” الداعيين إلى الفدرالية

أدت الأزمة الاقتصادية الخانقة التي وقع فيها لبنان، بدءا من أكتوبر 2019، إلى انهيار النظام المالي اللبناني برمته، آخذا في دربه المالية العامة للدولة، والمصرف المركزي، والقطاع المصرفي الخاص برمته.

واستتباعا، بدأت مسيرة انهيار القطاعات الاقتصادية الواحدة تلو الأخرى، وفي النتيجة رأينا تحلل مؤسسات الدولة المركزية أكثر فأكثر، وسقوط معظم اللبنانيين تحت خط الفقر.

ولعل انفجار مرفأ بيروت الكارثي، كشف للبنانيين والعالم معهم مدى اهتراء “ماكنية” الدولة، مما رسخ قناعة أنه إذا كان حلم اللبنانيين عموما هو العيش في ظل حكم القانون، ومؤسسات الدولة الشرعية، فإن الأخيرة ضعيفة ومشتتة ومهترئة، إلى حد يدفع لبنانيين كثر إلى اليأس من إمكانية عودة الدولة يوما.

لكن ما فاقم هذا الشعور، هو الأزمة السياسية التي أعقبت استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري بنهاية أكتوبر 2019، وتشكيل حكومة برئاسة حسان دياب، اعتبرت منذ ولادتها بأنها حكومة تحالف “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” بقيادة رئيس الجمهورية ميشال عون.

ومن انهيار إلى انهيار، واتساع عزلة لبنان العربية بفعل تورط “حزب الله” في حروب المنطقة، من سوريا إلى العراق، وغزة واليمن، وصولا إلى تهديد أمن دول عربية، فضلا عن مراكمة الحزب صواريخ دقيقة في مختلف أنحاء لبنان، وتفلته من كل رقابة، وسعيه الدائم إلى استخدام الدولة كغطاء لأجندته العسكرية والسياسية.

هذا الأمر رسخ يأسا لدى شرائح لبنانية، من التمسك بمفهوم العيش المشترك في ظل الحالة التي يمثلها “حزب الله”، سواء سياسيا أو عسكريا أو حتى ثقافيا.

هكذا كبرت كرة ثلج الدعوة إلى لبنان فدرالي، نظرا لاستحالة إيجاد قواسم مشتركة بين مشروعي “حزب الله” والدولة. فالمطالبة بسحب سلاح حزب الله مؤداه اشتعال حرب أهلية لا يريدها أحد، مما يحيي فكرة أن يقرر كل مكون لبناني أسلوب الحكم والعيش الذي يريده، وذلك حسب رأي دعاة الفدرالية!.

هل الفيدرالية حل واقعي في لبنان؟

صحيح أن فكرة الفيدرالية التي تراود نخبا لبنانية، فضلا عن أنها في مكان ما تحاكي اللاوعي الشعبي الطائفي والمذهبي اللبناني، ستطرح أكثر فأكثر كمادة في النقاش الوطني، غير أنها وحسب من يعارضونها بداعي أنها غير واقعية، لن تؤدي إلا إلى نشوء دويلات متحاربة ومتقاتلة، مهيأة جدا للوقوع تحت تأثير نفوذ خارجي، سيحيلها خطوط تماس لتصفية حسابات بين دول الإقليم الكبرى.

أكثر من ذلك، يرى المعارضون أن الخريطة الديموغرافية في لبنان لا تزال تشمل مناطق اختلاط طائفي ومذهبي، بما يعقد خيار الفيدرالية، ويؤجج نزاعات بين شرائح متجاورة جغرافيا.

كل ذلك في ظل غياب دولة مركزية، يفترض نظريا أن تكون قوية لكي توازن بين الحكم المحلي والسلطة الفيدرالية التي يجب أن تحتكر السياسة الخارجية والدفاع .

وهذان ملفان شائكان، فيما تمتلك كل الطوائف اللبنانية سياسات خارجية خاصة بها، فضلا عن سلاح خاص بها، وبعضها يمتلك سلاحا لا تمتلكه دول كبيرة في المنطقة.

في المقابل، يرى من يعتقدون أن الفيدرالية غير واقعية في لبنان، أن الذهاب إلى اللامركزية الموسعة ضمن الدولة المركزية أفضل، وقد نص عليها “اتفاق الطائف” لعام 1989، كحل وسط بين الدعوات إلى التقسيم وطغيان الدولة المركزية.

فهو يؤمن التنمية الاقتصادية المحلية، ويوسع من دائرة التمثيل المحلي، ولا يعرض البلاد لاهتزازات الفيدرالية أو التقسيم، التي يمكن أن تتم على صفيح ساخن من الصراعات التي لا تنتهي.



الوسوم

Spy_Net

المؤسس والمدير التنفيذي لشركة هاي فور بيست

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: