منوعات

وحدي أبكيك يا فارس

قصة

وحدي أبكيك يا فارس: يحكى أنّ ذئباً ضخماً بلغ من العمر عتياً إلا أنه ظل يظهر أمام الحيوانات قوياً ولا يبدو عليه التعب وقد نما وبر ذقنه حتى بدا كلحية صغيرة، وكان هذا الذئب يتزعم غابة مترامية الأطراف. ويعينه على ذلك عدد من الذئاب والضباع الذين يشكلون تبعاً له، وقد حوت الغابة منطقة جميلة غنية بالأشجار المثمرة اليانعة وتجمعت فيها أعداد من الحيوانات العاشبة.

فبسط سلطته على هذه المنطقة ومنع حيواناً من الاقتراب منها أو دخولها إلا بإذنه، وكانت الحيوانات العاشبة فيها إذا أرادت الماء خرجت إلى حدود هذه المنطقة لتشرب إذ لا تتوافر المياه في داخلها فكان أتباعه لا يسمحون لهم إلا بإذن منه، وكلما أراد هو وأتباعه طعاماً قنصوا من هذه الحيوانات ما يشاؤون ويدعون بعضاً منها للحيوانات اللاحمة التي تعيش خارج تلك المنطقة.

وكلما قدموا لحيوانات الغابة لحماً وللحيوانات العاشبة ماءً جعلوا ذلك نعمة يمنّ بها عليهم هذا الذئب وقد كان له من الحيوانات من يتملق له يمدحونه ويثنون عليه ويمجدون أفعاله رجاء أن ينالوا نصيباً أكبر من غيرهم، وكان في الغابة من يدرك ظلمه وبغيه وطغيانه إلا أنه لا يقدر على شيء، إلا أن يوضح ذلك لعدد قليل من الحيوانات المقربين منه كي لا يكشف أمره فيبطش به الذئب.

الهر فارس ورفاقه

لكن بضعاً وأربعين هرّاً قد عرفوا ممن أدرك وعرف حقيقة هذا الذئب من كبار السن من الحيوانات فعزموا على أن يريحوا الغابة منه ومن شره ولكن الوصول إليه كان صعباً جداً ورغم ذلك لم تدعهم عزيمتهم وحيويتهم يقفون مكتوفي الأيدي، فأعدوا لأتباعه كمائن عديدة تمكنوا فيها من النيل منهم وإيقاع الأذى بهم، وكانوا يتخيرون أكثر الأتباع تكبراً وغروراً وإيذاءً للحيوانات في الغابة أو داخل المنطقة الغنية كما كانوا يقنصون الكثير من طعام الأتباع ويقدمونه لحيوانات الغابة الضعيفة والهرمة أو المريضة ولا تستطيع الحركة.

فارس

كما كانوا يُحْدثون ثغرات في سور المنطقة الغنية يسربون الماء من خلالها إلى الحيوانات التي تعيش داخل المنطقة الغنية، وذلك باختطاف أتباع الذئب الذين يحرسون تلك المنطقة ويخفونهم مدة من الزمن ثم يرجعونهم، وكان هؤلاء الهررة يقومون بكل ذلك بشكل مستخفٍ ليس عند إقامة الكمائن فحسب وإنما عندما يقدمون معروفاً لحيوانات الغابة أيضاً فكانوا يشكرونهم دون أن يعرفوهم.

أما في حياتهم العادية فكانوا معروفين بين الحيوانات بحسن الخلق والمعاملة والنشاط في العمل والإقبال على تعلم كل جديد يفيد الحيوانات، وكان بينهم هرٌّ قوي حريص على مساعدة الحيوانات الكبيرة حتى في سيرها وكانت هذه الحيوانات تقول له: (يا لك من هرّ فارس) حتى صار هذا لقباً له وصارت تتكلم عنه الحيوانات بهذا الاسم فيقولون : جاء ال فارس – رأيت فارس – ذهبت مع فارس ….

وكان له أخت أكبر منه  يطلعها على أعمالهم التي يقومون بها ضد الذئب وتكتمها وتقدم له بعض النصائح أحياناً وتشكل له سنداً في الاستمرار بهذا الطريق هو ورفاقه.

والغابة على هذا الحال والذئب مستشيطٌ غضباً من الأخبار التي تأتيه عن أتباعه كل يوم من كمائن وخطف وكان يظن أن الذي يفعل ذلك هو النمر المتمرد على سلطانه مع بعض الثعالب الذين يساعدونه إلا أن هذا النمر كان أكثر عمل يقوم به هو اختراق حرس المنطقة الغنية بالثمار والحيوانات العاشبة فيدخلها ويصطاد من الحيوانات ما يشاء بينما يقوم الثعالب بإشغال الحراس.

وإذا اضطر إلى قتل الحرس فإنه يفعل وكانت أفعال النمر هذه تيسر على الهررة أحياناً القيام بفتح ثغرات وإرسال الماء إلى داخل المنطقة الغنية لأن الحراس ينشغلون بالتصدي للنمر في أماكن أخرى من حدود المنطقة وذات مرة أغار النمر والثعالب على المنطقة ذاتها التي كان الهررة يحضرون لفتح ثغرة فيها يوصلون من خلالها الماء للحيوانات العاشبة.

وكان الضباع مستنفرين بأمر الذئب تحسباً لهجوم النمر وانتبه أحدهم لقدومه فجهز له كميناً مع بقية الضباع إلا أن وصول الهررة إلى ذلك المكان في الوقت نفسه جعل النمر يتمكن من الفرار بينما سقط في أيدي الضباع ثعلب من أتباع النمر واثنين من الهررة أيضاً تم أخذهم إلى الذئب ووضعهم في مغارة مقفلة.

أما الثعلب فقد استطاعوا أن يعرفوا منه مكان اختباء النمر بالقوة والترهيب، وقام الذئب بتجهيز عدد من أتباعه وإرسالهم إلى ذلك المكان ليمسكوه وتم له ذلك وصار سجيناً عند الذئب أما الهرّين فإنهما تحملا عذاباً شديداً ولم يخبرا الذئاب عن بقية أصحابهما فاستعان الذئب بالحيوانات التي تتملق له وتمدحه وجعل اثنين منهما ينظران إلى الهرين دون أن يراهما الهرين فعرفاهما وعرفا أنهما من أصحاب فارس فأخبرا الذئب بذلك وعن مكان فارس وبقية الهررة.

فأرسل أتباعه وأمسكهم وصار الكل سجيناً عنده النمر وأتباعه والهرّ فارس ورفاقه وكان الذئب يريد التخلص منهم جميعاً لكنه وجد الأمر صعباً بعد معرفة العلاقة الجيدة بين الحيوانات والهررة وعرف أن حيوانات الغابة كلهم قد صنع الهررة معروفاً معهم فانغرس حبهم في قلوب جميع الحيوانات.

وكان لا بدّ له من إيجاد طريقة وحيلة تجعل الحيوانات لا تثأر لهم إذا قتلهم فاستشار الحيوانات التي تمجده وتتملق له، وكان بينهم خبثاء بسياستهم كأنهم يستجلبون أفكارهم من الشياطين فأشاروا عليه بإشهار أمر الإمساك بالنمر وتعظيم هذا الأمر وذكر إفساده وضرره على الغابة وجرائمه التي ارتكبها بحيث يصبح أبغض شيء إلى الحيوانات ويتمنى كل واحد منهم أن يقتله بنفسه فإذا تم ذلك أعلن أنه ليس وحده الذي يقوم بهذا إنما له أعوان وأتباع فيصير كره الحيوانات لهؤلاء الحيوانات ككره النمر حتى إذا تحقق ذلك أعلن أن هناك من يفعل هذه الأفعال غيرهم وهم أشرار مثل النمر كي يصير كره الحيوانات للجميع .

وصارت الحيوانات تنتظر لحظة الحكم على النمر وقتله مع البقية بمن فيهم الهررة لأنهم ظنوا أن المعاملة الحسنة التي كانوا يعاملونهم بها ليست سوى غطاء يخفون به جرائمهم وشرهم حتى إذا جاء موعد القتل والتخلص منهم بدأت الحيوانات المتملقة تنشر خبر التخلص من النمر وأتباعه وتهيئ الحيوانات لهذا الأمر وأن عدداً من المجرمين الآخرين سيتم قتلهم في اليوم نفسه.

وجاء اليوم وسيق الهررة جميعاً إلى الهضبة التي يرمون الحيوانات التي يريدون قتلها من فوقها وتم رمي الهررة جميعاً حتى إذا جاء دور النمر والثعالب نادوا الحيوانات لمشاهدة الحكم ثم رموهم جميعاً وماتوا من أثر السقوط وعلم الحيوانات برمي الهررة قبل ذلك وشعروا في أنفسهم بشيء يؤنبهم ويلومهم واستذكروا كثيراً من أفعالهم.

لكن ما أحد منهم فعل شيئاً وصل الخبر إلى الهرة أخت فارس وعلمت أن الحيوانات لم تفعل شيئاً من أجلهم ولا حتى البكاء عليهم، فانثنت في حجرها والحزن يملأ كيانها وهي تقول:

قَتَلُوكَ يا نِمْرُ الطّغَاةُ وقَتْلُهمْ    ما كان إلا حيلَةً لِيُدَارُوا

وَحْدِيْ بَكَيْتُكَ يا أُخِيْ يا فارس    والقَوْمُ تَاهُوا في الأُمُورِ وَحَارُوا

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: